محمد أبو زهرة
167
المعجزة الكبرى القرآن
شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ( 73 ) . [ الواقعة : 58 - 73 ] ونرى هذه الاستفهامات المتقابلة التي يجيء فيها بين الاستفهامين لفظ أم التي تدل على التعادل بالظاهر من اللفظ ، ولكنها ليست متعادلة من درجة الحقيقة الثابتة فهي مقابلة بين حق وباطل ، للتنبيه على الحق بالدليل والتنبيه بالاستفهام بطريق التقابل ، فإذا كان التقابل بين أن يكونوا هم الخالقين للأنفس في ظهور الآباء وبطون الأمهات إذ إن الخالق هو اللّه سبحانه ، فالفطرة والبداهة والحس تقرران الأول فالحكم بلا ريب ينتهى بمقتضى التقابل هو أن الخالق هو اللّه سبحانه ، وكذلك الأمر في الزرع ، وكذلك الأمر في الماء ، وكذلك الأمر في النار . فهو استفهام ليس على حقيقته . ولا للإنكار المجرد ، ولكنه للتنبيه ، والاستدلال على الحق بالإشارة إلى البطلان الذي يكون في الجانب المقابل للحق ، فإنه إذا بطل النقيض كان الحكم بصحة نقيضه ، فإذا كان التردد بين كونهم الخالقين ، والخالق هو اللّه ، وتأكد بالحس بطلان وصفهم بالخلق فقد ثبتت صفة الخلق للّه تعالى ، وبذلك يكون الاستفهام للتنبيه والاستدلال كقوله تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 24 ) [ سبأ : 24 ] . ومن ذلك النوع ما حكاه اللّه تعالى عن سيدنا يوسف ، وهو يقول لصاحبي السجن : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( 39 ) [ يوسف : 39 ] فإن هذا التقابل بين باطل تثبت البداهة بطلانه ، وإذا بطل أحد المتقابلين صدق الآخر ، فكان الاستفهام للتنبيه إلى الحق مؤيدا بالدليل القاطع . 99 - والاستفهام للتنبيه كثير في القرآن ، وكذلك لإثارة العجب حول ما يدعون من ترهات وأباطيل وبيان وجه غرابتها ولا يمكن إحصاء ذلك ، واستقراؤه وتتبعه ، ولكن يمكن ضرب الأمثال ، وما يذكر يكون شاهدا على ما لم نرطب ألسنتنا بتلاوته ، ولا أسماعنا بالاستماع له والإنصات والتدبر فيه . اقرأ قوله تعالى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( 24 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 25 ) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ( 26 ) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 27 ) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 28 ) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ( 29 ) [ الذاريات : 24 - 29 ] إلى آخر القصة ، وترى القصة ابتدأت بالاستفهام للتشويق ، وللتنبيه إلى الاستماع ، وقد ابتدأت بعبارة فيها إجمال لتكون تمهيدا لما يجيء بعد ذلك من التفصيل .